فصل: قال أبو السعود:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{لِلْحَيِّ القيوم} وفي القيوم ثلاثة تأويلات؛ أحدها: أنه القائم بتدبير الخلق.
الثاني: أنه القائم على كل نفس بما كسبت.
الثالث: أنه الدائم الذي لا يزول ولا يبيد.
وقد مضى في البقرة هذا.
{وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} أي خسر من حمل شركًا.
قوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ} لأن العمل لا يقبل من غير إيمان.
و{من} في قوله: {مِنَ الصالحات} للتبعيض؛ أي شيئًا من الصالحات.
وقيل: للجنس.
{فَلاَ يَخَافُ} قرأ ابن كثير ومجاهد وابن محيصن {يَخَف} بالجزم جوابًا لقوله: {وَمَن يَعْمَلْ}.
الباقون {يَخَافُ} رفعًا على الخبر؛ أي فهو لا يَخَافُ؛ أو فإنه لا يخاف.
{ظُلْمًا} أي نقصًا لثواب طاعته، ولا زيادة عليه في سيئاته.
{وَلاَ هَضْمًا} بالانتقاص من حقه.
والهضم النقص والكسر؛ يقال: هضمتُ ذلك من حقّي أي حططتُه وتركته.
وهذا يهضم الطعام أي ينقص ثقله.
وامرأة هَضِيمُ الكشح ضامرة البطن.
الماوردي: والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه؛ قال المتوكل الليثي:
إنّ الأذلَة واللئامَ لَمعشرٌ ** مَوْلاَهُم المتهضّم المظلومُ

قال الجوهري: ورجل هَضيمٌ ومُهتضَم أي مظلوم.
وتَهضَّمه أي ظلمه واهتضمه إذا ظلمه وكَسَر عليه حقه.
قوله تعالى: {وكذلك} أي كما بيّنا لك في هذه السّورة من البيان ف {كذلك جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أي بلغة العرب.
{وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد} أي بيّنا ما فيه من التخويف والتهديد والثواب والعقاب.
{لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي يخافون الله فيجتنبون معاصيه، ويحذرون عقابه.
{أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} أي موعظة.
وقال قتادة: حذرا وورعًا.
وقيل: شرفًا؛ فالذكر هاهنا بمعنى الشرف؛ كقوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ}.
وقيل: أي ليتذكروا العذاب الذي توعدوا به.
وقرأ الحسن {أَوْ نُحْدِثُ} بالنون؛ وروي عنه رفع الثاء وجزمها.
قوله تعالى: {فتعالى الله الملك الحق} لما عرف العباد عظيم نعمه، وإنزال القرآن نزّه نفسه عن الأولاد والأنداد فقال: {فَتعالى اللَّهُ} أي جلّ الله الملك الحق؛ أي ذو الحق.
{وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} علّم نبيه كيف يتلقى القرآن.
قال ابن عباس: كان عليه السلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصًا على الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه الله عن ذلك وأنزل {وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن} [طه: 114].
وهذا كقوله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16] على ما يأتي.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: قال: لا تتله قبل أن تتبّينه.
وقيل: {وَلاَ تَعْجَلْ} أي لا تسل إنزاله {مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى} إليك أي يأتيك {وَحْيُهُ}.
وقيل: المعنى لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله.
وقال الحسن: نزلت في رجل لطم وجه امرأته، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لها القصاص، فنزل {الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء} [النساء: 34] ولهذا قال: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} أي فهمًا؛ لأنه عليه السلام حكم بالقصاص وأبى الله ذلك.
وقرأ ابن مسعود وغيره {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَقْضِي} بالنون وكسر الضاد {وَحْيَهُ} بالنصب. اهـ.

.قال أبو حيان:

{وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىّ القيوم}.
والظاهر عموم {الوجوه} أي وجوه الخلائق، وخص {الوجوه} لأن آثار الذل إنما تظهر في أول {الوجوه}.
وقال طلق بن حبيب: المراد سجود الناس على الوجوه والآراب السبعة، فإن كان روى أن هذا يكون يوم القيامة فتكون الآية إخبارًا عنه، واستقام المعنى وإن كان أراد في الدنيا فليس ذلك بملائم للآيات التي قبلها وبعدها.
وقال الزمخشري: المراد بالوجود وجوه العصاة وأنهم إذا عاينوا يوم القيامة الخيبة والشقوة وسوء الحساب صارت وجوههم عانية أي ذليلة خاضعة مثل وجوه العناة وهم الأسارى ونحوه {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا} {ووجوه يومئذ باسرة} و{القيوم} تقدم الكلام عليه في البقرة.
{وقد خاب} أي لم ينجح ولا ظفر بمطلوبه، والظلم يعم الشرك والمعاصي وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم، فخيبة المشرك دائمًا وخيبة المؤمن العاصي مقيدة بوقت في العقوبة إن عوقب.
ولما خص الزمخشري الوجوه بوجوه العصاة قال في قوله: {وقد خاب من حمل ظلمًا} أنه اعتراض كقولك: خابوا وخسروا حتى تكون الجملة دخلت بين العصاة وبين من يعمل من الصالحات، فهذا عنده قسيم {وعنت الوجوه}.
وأما ابن عطية فجعل قوله: {ومن يعمل}- إلى- {هضمًا} معادلًا لقوله: {وقد خاب من حمل ظلمًا} لأنه جعل {وعنت الوجوه} عامة في وجوه الخلائق.
و{من الصالحات} بيسير في الشرع لأن {من} للتبعيض والظلم مجاوزة الحد في عظم سيئاته، والهضم نقص من حسناته قاله ابن عباس.
وقال قتادة: الظلم أن يزاد من ذنب غيره.
وقال ابن زيد: الظلم أن لا يجزى بعمله.
وقيل: الظلم أن لا يجزى بعمله، وقيل: الظلم أن يأخذ من صاحبه فوق حقه، والهضم أن يكسر من حق أخيه فلا يوفيه له كصفة المطفقين يسترجحون لأنفسهم إذا اكتالوا ويخسرون إذا كالوا انتهى.
والظلم والهضم متقاربان.
قال الماوردي: والفرق أن الظلم منع الحق كله والهضم منع بعضه.
وقرأ الجمهور: {فلا يخاف} على الخبر أي فهو لا يخاف.
وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد فلا يَخَفْ على النهي {وكذلك} عطف على كذلك نقص أي ومثل ذلك الإنزال أو كما أنزلنا عليك هذه الآيات المضمنة الوعيد أنزلنا القرآن كله على هذه الوتيرة مكررين فيه آيات الوعيد ليكونوا بحيث يراد منهم ترك المعاصي أو فعل الخير والطاعة، والذكر يطلق على الطاعة والعبادة.
وقيل: كما قدرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد كذلك حذرنا هؤلاء أمرها و{أنزلناه قرآنًا عربيًا} وتوعدنا فيه بأنواع {من الوعيد لعلهم} بحسب توقع الشر وترجيهم {يتقون} الله ويخشون عقابه فيؤمنون ويتذكرون نعمه عندهم، وما حذرهم من أليم عقابه هذا تأويل فرقة في قوله: {أو يحدث لهم ذكرًا} وقالت فرقة: معناه أو يكسبهم شرفًا ويبقي عليهم إيمانهم ذكرًا صالحًا في الغابرين.
وقيل: المعنى كما رغبنا أهل الإيمان بالوعد حذرنا أهل الشرك بالوعيد {وصرّفنا فيه من الوعيد} كالطوفان والصيحة والرجفة والمسخ، ولم يذكر الوعد لأن الآية سيقت مساق التهديد {لعلهم يتقون} أي ليكونوا على رجاء من أن يوقع في قلوبهم الاتقاء أو يتقون أن ينزل بهم ما نزل بمن تقدّمهم أي {يحدث لهم ذكرًا} أي عظة وفكرًا واعتبارًا.
وقال قتادة: ورعًا.
وقيل: أنزل القرآن ليصيروا محترزين عمالًا ينبغي {أو يحدث لهم ذكرًا} يدعوهم إلى الطاعات، وأسند ترجي التقوى إليهم وترجي إحداث الذكر للقرآن لأن التقوى عبارة عن انتفاء فعل القبيح، وذلك استمرار على العدم الأصلي فلم يسند القرآن وأسند إحداث الذكر إلى القرآن لأنه أمر حدث بعد أن لم يكن والظاهر أن أو هنا لأحد الشيئين.
قيل: {أو} كهي في جالس أو ابن سيرين أي لا تكن خاليًا منهما.
وقرأ الحسن {أو يحدث} ساكنة الثاء.
وقرأ عبد الله ومجاهد وأبو حيوة والحسن في رواية والجحدري وسلام، أو نحدث بالنون وجزم الثاء، وذلك حمل وصل على وقف أو تسكين حرف الإعراب استثقالًا لحركته نحو قول جرير:
أو نهر تيري فلا تعرفكم العرب

ولما كان فيما سبق تعظيم القرآن في قوله: {وقد آتيناك من لدنّا ذكرًا} {وكذلك أنزلناه قرآنًا عربيًا} ذكر عظمة منزله تعالى ثم ذكر هاتين الصفتين وهي صفة {الملك} التي تضمنت القهر، والسلطنة والحق وهي الصفة الثابتة له إذ كل من يدعي إلهًا دونه باطل لاسيما الإله الذي صاغوه من الحلي ومضمحل ملكه ومستعار، وتقدّم أيضًا صفة سلطانه يوم القيامة وعظم قدرته وذلة عبيده وحسن تلطفه بهم، فناسب تعاليه ووصفه بالصفتين المذكورتين، ولما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد طالبًا منه التأني في تحفظ القرآن {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقْضَى إليك وحيه} أي تأن حتى يفرغ الملقى إليك الوحي ولا تساوق في قراءتك قراءته وإلقاءه، كقوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} وقيل: معناه لا تبلغ ما كان منه مجملًا حتى يأتيك البيان.
وقيل: سبب الآية أن امرأة شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن زوجها لطمها، فقال لها «بينكما القصاص» ثم نزلت {الرجال قوامون على النساء} ونزلت هذه بمعنى الأمر بالتثبت في الحكم بالقرآن.
وقيل: كان إذا نزل عليه الوحي أمر بكتبه للحين، فأمر أن يتأنى حتى يفسر له المعاني ويتقرر عنده.
وقال الماوردي: معناه ولا تسأل قبل أن يأتيك الوحي إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد أخبرنا عن كذا وقد ضربنا لك أجلًا ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه، وفشت المقالة بين اليهود قد غلب محمد فنزلت {ولا تعجل بالقرآن} أي بنزوله.
وقال أبو مسلم {ولا تعجل} بقراءته في نفسك أو في تأديته إلى غيرك أو في اعتقاد ظاهره أو في تعريف غيرك ما يقتضيه ظاهره احتمالات.
{من قبل أن يقضى إليك وحيه} أي تمامه أو بيانه احتمالات، فالمراد إذًا أن لا ينصب نفسه ولا غيره عليه حتى يتبين بالوحي تمامه أو بيانه أو هما جميعًا، لأنه يجب التوقف في المعنى لما يجوز أن يحصل عقيبه من استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات، وهذه العجلة لعله فعلها باجتهاده عليه السلام انتهى.
وفيه بعض تلخيص.
وقرأ الجمهور: {يُقضى إليك} مبنيًا للمفعول {وحيه} مرفوع به.
وقرأ عبد الله والجحدري والحسن وأبو حيوة ويعقوب وسلام والزعفراني وابن مقسم نقضي بنون العظمة مفتوح الياء وحيه بالنصب.
وقرأ الأعمش كذلك إلا أنه سكن الياء من يقضي.
قال صاحب اللوامح: وذلك على لغة من لا يرى فتح الياء بحال إذا انكسر ما قبلها وحلت طرفًا انتهى.
{وقل رب زدني علمًا} قال مقاتل أي قرآنًا.
وقيل: فهمًا.
وقيل: حفظًا وهذا القول متضمن للتواضع لله والشكر له عند ما علم من ترتيب التعلم أي علمتني مآرب لطيفة في باب التعلم وأدبًا جميلًا ما كان عندي، فزدني علمًا.
وقيل: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلاّ في طلب العلم. اهـ.

.قال الثعالبي:

قوله تعالى: {وَعَنَتِ الوجوه} معناه: ذلّت، وخضعت، والعَانِي: الأسِير؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في أمر النساء: «هن عوان عندكم» وهذه حالةُ النَّاس يومَ القيامة.
قال ص: وَعَنَتْ: من عَنَا يَعْنُو: ذَلَّ، وخَضَعَ؛ قال أُمَيَّةُ ابن أبي الصَّلْت: الطَّويل:
مَلَيكٌ على عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ** لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ

انتهى.
ت: وأحادِيثُ الشفاعة قَدِ استفاضت، وبلغت حَدَّ التواتر، ومن أعظمها شفاعة أرْحم الراحمين سبحانه وتعالى ففي صحيح مُسْلم، من حديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قال: فيقولُ اللّه عز وجل: «شَفَعَتِ المَلاَئِكةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إلاَّ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرِ فِي أَفْوَاهِ الجَنَّةِ» وفيه: «فيخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ، فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ هَؤُلاَءِ عُتَقَاءُ اللّهِ الَّذِينَ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةِ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمَلُوهُ، وَلاَ خَيرٍ قَدَّمُوهُ» الحديث، وخرج أبو القاسم إسحاقُ، بنُ إبراهيم الختلي بسنده عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: «إذَا فرغ اللّهُ تعالى مِنَ القَضَاءِ بين خَلْقِه، أخرج كِتَابًا من تحت العَرْشِ؛ أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مِثْلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، قَالَ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ أعْيُنِهِمْ: عُتَقَاءُ اللّهِ» انتهى من التذكرة.
{وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}، معنى خاب: لم ينجَحْ، ولا ظفر بمطلُوبه، والظلمُ يَعمُّ الشِّركَ والمَعاصِي، وخيبةُ كلّ حاملٍ بقدْرِ ما حمل مِنَ الظُّلْم.
وقوله سبحانه: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات} معادلٌ لقوله: {مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} والظلم. والهُضْمُ: هما متقاربان في المعنى، ولكن من حيثُ تَنَاسقَا في هذه الآية؛ ذهب قومٌ إلى تَخْصِيص كل وَاحِدٍ منهما بمعنًى، فقالوا: الظلم: أن نعظم عليه سيِّئاته، وتكثر أكثر مما يجب.
والهَضْمُ: أن ينقص من حَسَناتِهِ، ويبخسها.
وكلهم قرأ: {فَلاَ يَخَافُ} على الخبر غيرَ ابن كَثِيرٍ؛ فإنه قرأ: {فَلاَ يَخَفْ} على النهي. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىّ القيوم} أي ذلت وخضعت خضوعَ العُناة أي الأُسارى في يد الملكِ القهارِ ولعلها وجوه المجرمين كقوله تعالى: {سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ} ويؤيده قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: خسِر من أشرك بالله ولم يتُب، وهو استئنافٌ لبيان ما لأجله عنت وجوهُهم، أو اعتراضٌ، كأنه قيل: خابوا وخسِروا، وقيل: حالٌ من الوجوه ومَنْ عبارةٌ عنها مغنيةٌ عن ضميرها، وقيل: الوجوهُ على العموم فالمعنى حينئذ وقد خاب من حمل ظلمًا فقوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات}.. إلخ، قسيمٌ لقوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} لا لقوله تعالى: {وَعَنَتِ الوجوه}.. إلخ، كما أنه كذلك على الوجه الأول أي ومن يعملْ بعضَ الصالحات أو بعضًا من الصالحات على أحد الوجهين المذكورين في تفسير قوله تعالى: {مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ} {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} فإن الإيمان شرطٌ في صحة الطاعاتِ وقَبول الحسنات {فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا} أي منْعَ ثوابٍ مستحَقٍ بموجب الوعد {وَلاَ هَضْمًا} ولا كسْرًا منه يَنْقُص، أو لا يخاف جزاءَ ظلمٍ وهضْمٍ إذ لم يصدُر عنه ظلمٌ ولا هضمٌ حتى يخافَهما، وقرئ فلا يخَفْ على النهي. اهـ.
{وكذلك} عطفٌ على {كذلك نَقُصُّ} وذلك إشارةٌ إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنةِ للوعيد المنبئةِ عما سيقع من أحوال القيامةِ وأهوالِها أي مثلَ ذلك الإنزال {أنزلناه} أي القرآنَ كلَّه، وإضمارُه من غير سبق ذكرِه للإيذان بنباهة شأنِه وكونِه مركوزًا في العقول حاضرًا في الأذهان {قُرْءانًا عَرَبِيًّا} ليفهمه العربُ ويقفوا على ما فيه من النظم المعجزِ الدالِّ على كونه خارجًا عن طوق البشر نازلًا من عند خلاّق القُوى والقدر {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد} أي كررنا فيه بعضَ الوعيد أو بعضًا من الوعيد حسبما أشير إليه آنفًا {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي كي يتقوا الكفرَ والمعاصيَ بالفعل {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} اتعاظًا واعتبارًا مؤديًا بالآخرة إلى الاتقاء.
{فتعالى الله} استعظامٌ له تعالى ولشؤونه التي يُصرّف عليها عبادَه من الأوامر والنواهي والوعدِ والوعيد وغيرِ ذلك، أي ارتفع بذاته وتنزّه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاتِه وأفعالِه وأحواله {الملك} النافذُ أمرُه الحقيقيُّ بأن يُرجى وعدُه ويُخشَى وعيدُه {الحق} في ملكوته وألوهيتِه لذاته، أو الثابتُ في ذاته وصفاته {وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ} أي يتِمَّ {وَحْيُهُ} كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا ألْقَى إليه عليه السلام الوحيَ يتبعه عند لفظِ كل حرفٍ وكل كلمةٍ لكمال اعتنائِه بالتلقّي والحِفظ فنُهيَ عن ذلك إثرَ ذكرِ الإنزال بطريق الاستطرادِ لِما أن استقرارَ الألفاظِ في الأذهان تابعٌ لاستقرار معانيها فيها، وربما يَشغَل التلفظُ بكلمة عن سماع ما بعدها، وأُمر باستفاضة العلمِ واستزادتِه منه تعالى فقيل:
{وَقُلْ} أي في نفسك {رَّبّ زِدْنِى عِلْمًا} أي سل الله عز وجل زيادةَ العلمِ فإنه الموصلُ إلى طِلْبتك دون الاستعجالِ، وقيل: إنه نهُي عن تبليغ ما كان مجملًا قبل أن يأتيَ بيانُه وليس بذاك، فإن تبليغَ المُجملِ وتلاوتَه قبل البيان مما لا ريب في صحته ومشروعيّتِه. اهـ.